محمد جواد مغنية

306

في ظلال نهج البلاغة

الضمير في « لهم » للمتقين ، وفي « عنهم » للمذنبين ، والمعنى ان للمتقين وجدانا حيا ، ودينا صادقا يشغلهم بأنفسهم عن عيوب الناس : ولا يعيّرون أحدا بذنبه ، قال رسول اللَّه وحبيبه ( ص ) : « واللَّه اني لأستغفر اللَّه ، وأتوب اليه في اليوم سبعين مرة » وما أراد بقوله هذا إلا أن يلقن أمته درسا في التواضع ، والبعد عن الزهو والعجب بالطاعة والعبادة ، ومن حكم الإمام : « أوحش الوحشة العجب » . ويستحيل أن يصغي المذنب لمن أعجبته نفسه ، وزها بعمله كائنا من كان . وبعد ، فإن الانسان معرّض للخطيئة ، ومن أجل هذا فتح سبحانه له باب التوبة ، فيصحح ويستدرك ، قال النبي الكريم ( ص ) : كل بني آدم خطَّاء ، وخير الخاطئين التوابون . للمنبر - حول التعيير بالذنب : ( فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه ) . إذا وجب على من اتقى وأطاع أن لا يعير العاصي بذنبه ومعصيته - فبالأولى أن لا يعير المجرم من هو على شاكلته ، قال الإمام : أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله . وقال بعض العارفين : تعييرك أخاك أكبر إثما من ذنبه ، لأن في تعييرك هذا تنزيها لنفسك من العيوب ( أما ذكر - إلى - أعظم منه ) نذنب ونعصي اللَّه في الخفاء ، ثم نتظاهر بالصلاح والتقوى ، فيستر سبحانه ولا يفضح ، بل يمهل ويعطي الفرصة لنتوب ونستغفر ، ولكن هذا الستر والإمهال يغرينا بالمزيد من الخطايا ، فنوغل فيها غير مبالين . . وفوق ذلك نشّهر بعيوب الآخرين ، ونتلذذ بها : ونتجاهل أن العيوب التي سترها اللَّه علينا هي أكثر وأكبر . ( وأيم اللَّه لئن لم يكن عصاه في الكبير ، وعصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر ) . لنفترض أن أحدنا ما اقترف كبيرة على الاطلاق ، وأنه قد ألم بالذنب الصغير فقط - وأي عبد اللَّه ما ألما - فان حرصه على أن يحفظ عيوب الناس ، ويذيعها على الملأ هو أكبر الكبائر . . إن الانحراف يصيب الكل إلا من عصم ربك . والانحراف الكبير أن تراه في غيرك ، ولا تراه في نفسك ، قال الإمام ( ع ) : الأشرار يتبعون مساوي الناس ، ويتركون محاسنهم ، كما يتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ، ويترك الصحيح ونفهم من هذا أن